حسن بن عبد الله السيرافي
57
شرح كتاب سيبويه
قال أبو سعيد : ما كان من الحروف يخص بالجحد فلا يجوز دخوله على الموجب ولا تعليق الموجب به . فإذا قلت : ما أتاني من أحد إلا زيد لم يجز خفض زيد ؛ لأن خفضه بمن ، ولا يجوز دخول " من " هذه على الموجب ولا تعليق الموجب بها . وإنما دخلت في النفي على نكرة لنقله من معنى الواحد إلى معنى الجنس . ولو كانت " من " التي تدخل على المنفي والموجب لجاز خفض ما بعد " إلا " بها . كقولك ما أخذت من أحد إلا زيد . لأن " من " إذا كانت في صلة الأخذ دخلت على المنفي والموجب . ومثل الأول : " ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به " لأن هذه الباء لا تدخل إلا على منفي لتأكيد الجحد ، ولا يجوز : " ما أنت بشيء إلا شيء " لأن ما بعد " إلا " موجب إذا كان قبله جحد . فإذا كانت الباء في صلة شيء يستوي فيه المنفي والموجب جاز حمل ما بعد " إلا " عليها كقولك : ما مررت بأحد إلا زيد ، وإذا لم يجز حمله على الخافض فيما ذكرنا حمل على موضعه ، ولو لم يكن الخافض . تقول : " ما أتاني من أحد إلا زيد " و " ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به " . لأن " من " لو لم تدخل لقلت : ما أتاني أحد إلا زيد . وكذلك : ما أنت شيئا إلا شيء لا يعبأ به . وتقول : وما كان زيد بغلام إلا غلاما صالحا . ولو حذفت الاسم المستثنى منه من الأول لقلت : " ما أتاني إلا زيد " و " ما أنت إلا شيء لا يعبأ به " و " لست إلا شيئا لا يعبأ به " . وما كان زيد إلا غلاما صالحا . وقال الكوفيون : يجوز فيما بعد " إلا " الخفض في النكرة ولا يجوز في المعرفة . فأجازوا : ما أتاني من أحد إلا رجل ، وما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به . ولم يجيزوا : إلا زيد . ولم يجيزوا : ما أنت بشيء إلا الشيء التافه . والحجة عليهم ما ذكرناه من أن حروف الخفض في هذين الموضعين إنما دخلت من أجل النفي ، فإنه لا يتعلق بالموجب وما بعد إلا موجب . وقد أقروا بأن المعرفة بعد " إلا " في ذلك لا تخفض وما أقروا به من ذلك حجة عليهم ، فبما أنكروا إذ لا فرق بينهما . وكذلك قوله : " لا إله إلا اللّه " . و " لا أحد فيها إلا زيد " لا يجوز حمل ما بعد " إلا " على النصب الذي توجبه " لا " النافية . لأن " لا " إنما تعمل في منفي وما بعد " إلا " موجب وليس بصفة له ولا عطف عليه فيتبعه في لفظه .